الشيخ محمد رشيد رضا

32

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وتجد أكثر الشواهد على ذلك في سورة البقرة « * » ثم في هذه السورة ( براءة ) ما تقدم تفسيره منها وما تأخر * * * أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ أي ألم يعلم أولئك التائبون من ذنبهم ان اللّه هو الذي يقبل توبة التائبين من عباده ، ولم يجعل ذلك لرسوله ، بله من دونه من خلقه ، فالاستفهام لتقرير ما دل عليه القرآن وكونه هو الذي حملهم على التوبة ، - أو ألم يعلم المؤمنون كافة هذا وهو مقتضى الايمان وموجبه ؟ والاستفهام على هذا تحضيض على هذا العلم وما يستلزمه من التوبة . وقبول التوبة عنهم ، قيل إنه بمعنى قبولها منهم ، نحو : لا صدقة إلا عن غنى ومن غنى ، وقيل إن القبول هنا قد تضمن معنى التجاوز والصفح ، أي هو الذي يقبلها منهم متجاوزا عن ذنوبهم عفوا عنها وهذا أبلغ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ أي يتقبلها بأنواعها ويثيب عليها ، وبعدها اقراضا له فيضاعف ثوابها ، بمقتضى وعده في مثل قوله ( إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) وقوله ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً ) فأخذ الصدقات له ثلاث صور ( إحداها ) أخذ الفقراء والمساكين وغيرهم إياها من المستحقين من يد المتصدق ( الثانية ) أخذ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في عهده والأئمة من بعده إياها لأجل وضعها في مصارفها التي أمر اللّه بها ( الثالثة ) أخذ اللّه عز وجل إياها وهو قبولها للإثابة عليها بالمضاعفة التي وعدها . وفي التعبير باخذ اللّه تعالى بعد قوله للنبي ( خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً ) تشريف للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بكونه تعالى هو الذي يأخذ ما أمره بأخذه وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ أي وانه هو الذي يقبل التوبة بعد التوبة من كل مذنب يشعر بضرر ذنبه ، ويتوب عنه منيبا إلى ربه ، مهما يتكرر ذلك - الرحيم بالتائبين الذي يثيبهم . فصيغة المبالغة ( التواب ) تتحقق بكثرة التائبين وبتكرار التوبة من المذنب الواحد الذي يمنعه

--> ( * ) راجع صفحة 293 من الجزء الأول وص 126 - 159 وص 456 ج 2 وص 15 و 59 و 67 و 78 - 92 و 371 ج 3 و 132 ج 4 - و 97 - 401 و 327 و 405 ج 5 وراجع ألفاظ الزكاة والصدقات والمال في فهرس الجزء العاشر وغيره